محمد حمد زغلول
244
التفسير بالرأي
منشأ الإبهام في المشكل : « 1 » قد ينشأ الإبهام في المشكل من غموض في المعنى بحيث يحتمل اللفظ في أصل وضعه المعاني المتعددة حقيقة ويكون المراد منها واحدا ، لكنه قد دخل في إشكاله [ وهي تلك المعاني المتعددة ] فاختفى عن السامع وأصبح محتاجا إلى الاجتهاد . وقد يكون منشأ الإبهام في المشكل أن يستعمل معنى مجازي للفظ من الألفاظ حتى يشتهر به ، مع أنه موضوع في الأصل لمعنى آخر على سبيل الحقيقة . وفي ضوء ذلك يمكن القول إن المشكل هو ما خفيت دلالته على معناه لذاته ، ويمكن إزالة خفائه بالبحث والتأمل ، كأن يكون اللفظ مشتركا بين عدة معان حقيقية أو مجازية ، ويكون تعيين أحدهما بالبحث والتأمل . وأمثلة المشكل في القرآن الكريم كثيرة منها قوله تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [ البقرة : 223 ] والإشكال أتى من كلمة ( أنّى ) لأنها في كلام العرب تأتي بمعنى ( أين وكيف وحيث ومتى ) ومن هنا كان مصدر الإبهام حيث تداخلت معانيها ودخلت في إشكالها ، مما أوقع العلماء في التردد بين المعاني التي يمكن أن تؤول بها في الآية ، فتأولها بعضهم بمعنى كيف ، وبعضهم بمعنى أين وآخرون بمعنى متى وغيرهم بمعنى حيث ، وبحسب تداخل هذه المعاني وتعددها ، تعدّدت الأقوال واختلفت الاجتهادات فمن يؤول أنّى بمعنى ( أين أو حيث ) فإنه لا يتمشى مع سياق المعنى لقوله تعالى : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [ البقرة : 223 ] فهو تفسير للآية التي قبلها وهي قوله تعالى : فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [ البقرة : 222 ] .
--> ( 1 ) - انظر أصول السرخسي 1 / 170 .